خليل الصفدي
225
نكت الهميان في نكت العميان
عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر ، وقيل له : هذا الذي تخرجه من الأموال ما تسمح نفس ببعضه ، فقال : أنا فتحت الدكان بعد العصر ، فاتركونى أفعل الخير ، وفرق في العلماء والصلحاء مائة ألف دينار . انتهى « 1 » . وعمر رباط الأخلاطية ، ورباط الحريم ، ومشهد عبد اللّه ، وتربة عون ومعين ، وتربة والدته ، والمدرسة إلى جانبها ، والرباط الذي يقابلها كان دار والدته ، ومسجد سوق السلطان ، ورباط المرزبانية ، ودور المضيف في جميع المحال ، ودار ضيافة الحاج ، وغرم على هذه الأماكن أموالا جليلة ، ونقل إليها الكتب النفيسة بالخطوط المنسوبة ، والمصاحف الشريفة . وزر له عبد اللّه بن يونس ، وابن حديدة ، وابن القصاب ، ثم يحيى بن زيادة ، ثم القمي . وفتح خوزستان ، وتستر ، وتشتمل على أربعين قلعة ، وهمذان ، وأصبهان ، وحمل إليه خراجها ، وتكريت ، ودقوقا ، والحديثة . وكان جميل الصورة ، أبيض مشربا حمرة ، حلو الشمائل ، شديد القوى . وحديثه مع الجاموس بحضرة والده مشهور . ولد في المحرم سنة سبعين وخمسمائة ، وخطب له والده بولاية العهد على المنابر سنة خمس وثمانين ، وعزله سنة إحدى وستمائة ، وألزمه أن أشهد على نفسه بخلعه ، ثم أعيدت له ولاية العهد سنة ثمان عشرة وستمائة . ولما توفى والده الناصر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بويع بالخلافة ، وله من العمر اثنان وخمسون سنة إلا شهورا ، وصلى عليه بالتاج ، وعمل العزاء ثلاثة أيام ، ولما خلعه أبوه الناصر أسقط ذكره من الخطبة على المنبر في سائر الآفاق ، فسقطت إلا خوارزم شاه . قال : قد صح عندي توليته ، ولم يثبت عندي موجب عزله ، وجعل ذلك حجة لطروق العراق بالعساكر ليرد خطبته ، وحبس الناصر ولده الظاهر في دار مبيضة الأرجاء ، ليس فيها لون غير البياض ، وكان حراسه يفتشون اللحم خوفا من أن يكون فيه شيء أخضر ينعش به نور بصره ، فضعف بصره ، وكاد يذهب جملة إلى أن تحيل ابن الناقد الذي صار وزيرا بعد ذلك ، فدخل عليه ومعه سراويل أخضر ، وأرى أنه يحتاج إلى المستراح ، فدخل وترك السروال في المستراح ، وفطن الظاهر لذلك ، فدخل على أثره فوجده فلبسه ، ولم يزل يتعلل به إلى أن تراجع ضوء بصره ، رحمه اللّه تعالى .
--> ( 1 ) انظر : الكامل في التاريخ ( 12 / 456 ) .